السيد كمال الحيدري

277

التوحيد (بحوث في مراتبه ومعطياته)

والشرور أو تضاؤل حضورها على صعيد سلوك المجتمعات الأوربية ومخيّلتها ووعيها ؛ تضاؤلًا يتناسب مع الانحسار الفكري . في ثنايا هذا الصراع بين التيّارين الديني والعلمانى برزت أطروحات فكرية وفلسفيّة في أوروبا تدعو إلى الإلحاد وإنكار وجود الله على خلفية وجود الشيطان وبقيّة مظاهر الشرّ التي لا تتّسق مع فكرة وجود خالق حكيم قادر ، فتصدّى لها الفكر الإيمانى ( أي المؤمن بوجود الله ) واحتدم الفريقان في سجالات ما تزال أصداؤها مسموعة حتّى الوقت الحاضر ، كما ستجىء الإشارة لذلك في فقرة لاحقة . التكييفات النظرية مثلما كان لفكرة الشرور عراقتها في الواقع الإنسانى ، فقد حظيت معالجات الفكرة والتكييفات النظرية حولها بعراقة مماثلة ، حتّى ليمكن القول إنّ المشكلة وأطروحات الحلّ سارا على خطٍّ متواز . فلم يزل العقل الإنسانى مهموماً بعلاج المشكلة منذ أوّل عصر البشرية ، وهو يجتهد لها الحلول من واقع الفكر الديني والفلسفي أو من كليهما معاً . وحين تكون لمسألة مثل هذه العراقة الضاربة إلى أقدم عصور الإنسان وتأريخه الديني والفكري ، فلابدّ وأن تزدحم من حولها الرؤى والأفكار ، وهذا ما هو حاصل لمسألة الشرور التي نجد لها حضورها الكثيف في تأريخ الفكر الديني والفلسفي والإنسانى . لكن على رغم تعدّد المعالجات وتنوّع أطروحات الحلّ ، إلّا أنّه يمكن متابعة الاتجاهات العامّة للأجوبة من خلال الخطوط الرئيسيّة التالية : 1 خطّ إنكار الصانع الحكيم والإيمان بأنّ المادّة مبدأ هذا العالم . إنّ عجز هذا الخطّ عن معالجة الشبهة من خلال عجزه عن الموائمة بين وجود خالق حكيم ووجود مظاهر الشرور المتفشّية في العالم ، دفع بأنصاره إلى إنكار الصانع والتخلّص من الإشكالية عبر مصادرتها بإلغاء أحد طرفيها !